-->
المحترف المحترف

العولمة بين الحاضر والماضي

العولمة وأثرها على المجتمعات العربية

لعبت عوامل مختلفة في دفع العالم العربي إلى دخول عصر العولمة من دون استعدادات آافية ومن دون أجندة جماعية أو
وطنية للتعامل مع التحديات والمخاطر الجديدة. ولهذا جاءت عولمة العالم العربي من الخارج، على شكل ضغوط متزايدة
ومتعددة الاشكال والأهداف، قلصت إلى حد آبير من هامش الاستقلالية والمبادرة العربية الإقليمية، وعملت على تصدع
الكتلة العربية وتفاقم أزمة النظم السياسية وانفلاش المجتمعات وتذرر بنياتها. 
وقد تجلى هذا التصدع في تراجع مشاريع التكتل العربي الخاصة التي عملت عليها خلال نصف قرن في إطار الجامعة
العربية، لصالح مشاريع التكتل المقترحة من الخارج، وأخرها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أطلقته الإدارة
الأمريكية. وهو ما ترجم على الأرض بتوسع دائرة الحروب الإقليمية والوطنية والأهلية وانتشار العنف والإرهاب على
أوسع نطاق. وآانت ثمرة ذلك تدويل السياسات الأمنية العربية، القومية والقطرية، والعودة بالمنطقة إلى ما قبل الحقبة
الوطنية، مع إعادة نشر القواعد العسكرية وتوقيع اتفاقيات الحماية والوصاية الخارجية، وفي النهاية حرمان العالم العربي
أي إرادة ذاتية أو قرار مستقل.
وبالمثل، قادت الضغوط السياسية إلى تفريغ النظم الوطنية من محتواها الاجتماعي والسياسي والثقافي. وعمل التفاهم بين
النخب الحاآمة والدول الكبرى صاحبة النفوذ منذ السبعينات على ولادة نظم تسلطية وأنماط حكم وإدارة تعمل خارج قواعد
السياسة والقانون ومعايير العقلانية الحديثة، وتتعامل مع الموارد الوطنية آما لو آانت ملكا خاصا بها. مما عمم الفساد
وأشاع الفوضى الاقتصادية والسياسية والإدارية وزاد من انتشار ظواهر الفقر والبطالة والتفكك الاجتماعي. وبموازاة ذلك
حصل تراجع آبير في نظام العلاقات المدنية، فتخلت المجتمعات أو آادت عن الرابطة الوطنية لحساب العلاقة الطائفية
والعشائرية والعائلية. 
وعلى الصعيد الثقافي دفعت الضغوط الداخلية والخارجية، ولا تزال، إلى تعميق أزمة الهوية والتراجع عن سياسة بناء
الثقافات الوطنية السابقة القائمة على تعزيز إطار بناء الكوادر الوطنية وتوطين الحداثة واستنباتها في الثقافة والبيئة
العربيتين. وتزداد في المقابل موجة التبعية الثقافية لأسواق الانتاج الثقافي الخارجية أو للثقافة الاستهلاآية. وبقدر ما تتسارع
وتيرة بناء المؤسسات التعليمية والجامعية والثقافية الأجنبية التي تدرس بلغاتها الخاصة، تتحول الحداثة من جديد إلى بنية
أجنبية أو غريبة وتحدث شرخا متزايدا بين قطاعات الرأي العام المستقطب بين ثقافة إسلامية وثقافة علمانية حديثة. ويقود
الانفتاح الثقافي من دون رؤية ولا هدف ولا مضمون، أي من دون أن يكون مرتبطا بمشروع مجتمعي واضح وواع للتنمية
أو للتحديث، إلى تذرر البنية الثقافية وتعميق التشتت الفكري والنفسي والضياع. وتزداد بالقدر نفسه هجرة الكفاءات
والكوادر الثقافية والعلمية العربية التي تفتقر لأي آفاق في بلدانها الأصلية. 
وبقدر ما ينجم التفكك العربي الراهن عن ضغوط خارجية ويرتبط بأجندة الصراعات الدولية فهو لا ينتهي إلى إعادة ترآيب
للنظم نفسها، على ضوء معايير العولمة الجديدة، بقدر ما يقود إلى تعميق أزمة المجتمعات العربية ودفعها بشكل متزايد نحو
التخبط والضياع والفوضى وبالتالي نحو زيادة الاعتماد في معالجة مشاآلها على التدخلات الخارجية.
إن لملمة الوضع العربي من جديد، وقلب الاتجاه، في سبيل تحسين فرص إعادة الترآيب واستعادة المبادرة من قبل
المجتمعات، تستدعي بلورة أجندة عربية قطرية وإقليمية معا لمواآبة العولمة تأخذ بالاعتبار:
١ -العمل على تغيير البيئة الجيوسياسية القائمة و إعادة بناء الدولة وتعريف دورها ووظيفتها الاجتماعية. وتأآيد مبدأ
المشارآة بين الدولة والمجتمع المدني بدل المعارضة بينهما. فلن يستطيع المجتمع المدني العربي أن يكون بالفعل منظومة
عاملة في خدمة المصالح العامة والمجتمع آكل، أي أن لا يكون وسيلة لتنمية المصالح الخاصة على حساب المصالح
العامة، إلا إذا وجد المجتمع السياسي القوي. من هنا فإن إصلاح النظم السياسية ونشر الديمقراطية هما شرط النجاح في
تطوير المجتمع المدني وتنشيطه ودفعه إلى لعب دور ايجابي في إعادة هيكلة المجتمعات العربية وتهيئتها للمساهمة الفعالة
في بناء معالم المجتمع العالمي.
ويوصي التقرير بإيلاء أهمية خاصة إلى تطوير الديمقراطية المحلية وتجديد وسائل عملها وتقديم الدعم السياسي والقانوني
والمالي لمؤسساتها على طريق تعزيز مكانة المجتمع المدني. آما يوصي بالعودة إلى بلورة سياسات ثقافية عربية تساعد
على طمــأنة الهوية وإعادة بنائها من خلال توطين الحداثة الثانية في التربة العربية وتقليص حجم التبعية في الموارد
الثقافية. لكن ليس من منظور التأآيد على ماهية ثابتة أو تراث قديم، وإنما من منظور التأآيد على الذاتية بما تعنيه من وعي
وإرادة مشارآة في الحضارة الكونية.



العولمة وأثرها على المجتمعات العربية

برهان غليون
١ -مقدمة: العولمة الليبرالية، التحديات والمخاطر
تنطوي العولمة على مفارقات آبيرة هي التي تشكل مصدر قوتها وديناميكيتها. فهي في الوقت الذي تفتح فيه آفاقا جديدة
للجماعات، من خلال ما تقدمه من فرص النمو الاقتصادي والتجاري وإعادة توزيع عناصر القوة والثروة وميلاد اقتصاد
جديد قائم على تراآم رأس المال المعرفي اللامادي، تطرح عليها تحديات آبيرة أيضا. ومما يزيد من حجم هذه التحديات
خريطة توزيع القوة والقرار في حقل العلاقات الدولية التي تحرم البلدان والمجتمعات الصغيرة من أي قدرة على التأثير
على صوغ برنامج العولمة الراهنة، وتضطرها إلى الاصطفاف خلف القوى الصناعية والمؤسسات المالية والتجارية
العالمية الكبرى. وبالرغم من أن سيطرة الدول الصناعية الرئيسية على المنظمات الدولية، بما في ذلك منظمة التجارة
العالمية، ناهيك عن الأمم المتحدة، لم تعد سيطرة مطلقة، وهي في سبيلها إلى التراجع، إلا أن ترهل الكتل الدولية التقليدية
التي آانت تعبر عن مصالح الدول النامية آحرآة باندونغ وعدم الانحياز ومجموعة ٧٧ ،والوحدة العربية والوحدة الأفريقية
وغيرها من التجمعات الإقليمية، بالاضافة إلى تشتت رأي البلدان الصغيرة وحاجتها الماسة إلى معونات الدول الأخرى،
تمنع المجتمعات الفقيرة من بلورة استراتيجية عولمية بديلة عن الاستراتيجية الليبرالية الجديدة السائدة التي تستجيب لمصالح
الدول الصناعية الرئيسية. وغياب مثل هذه التكتلات العالمية الكبرى المجسدة لمصالح المجتمعات الفقيرة والقادرة على
بلورة أجندة عولمية بديلة هو الذي يفسر الطابع الهامشي والطرفي لحرآة العولمة البديلة الراهنة وافتقارها إلى برنامج مقنع
وأجندة واضحة معا.
ومن هنا تتطابق العولمة المسيطرة عالميا اليوم مع استراتيجية إحياء الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية. وتتخذ العولمة شكل
التطبيق الحرفي لبرنامج العولمة الليبرالي القائم على تأآيد أسبقية المنطق الاقتصادي في إعادة تنظيم العلاقات الدولية،
وفاعليته في تحقيق الانسجام بين مصالح الجماعات والشعوب. وهو ما يتجلى في تمحور المداولات والمفاوضات الدولية
حول مسألة تحرير التجارة وبناء السوق العالمية، وتعميم سياسات التخصيص والاصلاحات الهيكلية التي تتوافق وجذب
الاستثمارات وتنشيط حرآة التجارة الدولية. وبقدر ما يستدعي تطبيق برنامج العولمة الليبرالي إعادة بناء العلاقات الدولية
من منطلق تسهيل حرية التجارة وجعل الحدود السياسية شفافة لها، وتقليص سيطرة الدولة على التوجهات الاقتصادية، يدفع
في الوقت نفسه إلى إعادة هيكلة اقتصادية وسياسية واجتماعية داخل الحدود الوطنية نفسها. وهو ما يعني إعادة بناء المعادلة
الوطنية الاجتماعية على أسس جديدة تضعف من وزن القوى الاجتماعية الشعبية والفقيرة ومن منطق إرضاء الحاجات
الاجتماعية لصالح تأآيد أسبقية منطق التجارة الخارجية وجذب الاستثمارات والتشجيع على توطينها. آما تهدد الديمقراطية
١ بقدر ما تنتزع من الشعوب سيادتها لصالح سيادة المؤسسات والشرآات والتكتلات ما فوق الوطنية
.
. ٢ وهذا هو في الواقع مصدر الفوضى الذي زاد الحديث عنها في السنوات الأخيرة، والذي يرتبط بجوهر العولمة الليبرالية
فإعادة بناء حقل العلاقات الدولية انطلاقا من الرد على حاجات توسع التجارة الدولية وتعظيم حرآة الاستثمار، بقدر ما
يجعل من النمو الاقتصادي، أي في الواقع من تراآم رأس المال، معيار النجاح، يحرم المجتمعات من المعايير السياسية
والاجتماعية والأخلاقية التي تحول دون أن يتحول الربح إلى هدف في ذاته، ويعمل على تفكيك العلاقات الاجتماعية
والمدنية. فهو يلغي المكتسبات الكبيرة الماضية التي لم تكن الدولة الوطنية إلا عنوانها، والتي آان هدفها إخضاع الرأسمالية
الاقتصادية إلى ضوابط يحددها مفهوم الوطنية نفسه، بما يعنيه من الحفاظ على التضامن والانسجام المجتمعي الداخلي
وتأآيد الحريات الفردية والجمعية وإقامة العدالة القانونية. والحال أن العولمة الليبرالية تنشيء مجتمعا رأسماليا على مستوى
العالم لكن من دون دولة "وطنية" أي من دون روح التضامن والآليات السياسية التي تضبط نشاط هذا المجتمع وتشذب
تجاوزاته وتفرض عليه معايير إنسانية، آما آانت تفعل الدولة الوطنية في عصر الرأسمالية الكلاسيكية. 
فلا ينبع التحدي الكبير الذي تثيره العولمة الليبرالية من إضعاف الدولة الوطنية نفسها، ولكن من غياب الأجندة الاجتماعية
التي آانت تمثلها والتي جعلت منها حجر الأساس في تنظيم المجتمعات والنظام الدولي معا في الحقبة الطويلة السابقة، آما
سمحت للرأسمالية أن تتحول إلى نظام اجتماعي قابل للحياة. فقد استمدت الدولة الوطنية المكانة المرآزية التي آانت تحتلها
في النظام الاجتماعي العام، وربحت شرعيتها في وجه التنظيمات ما قبل الوطنية، من تنفيذها أجندة وطنية ساهمت بالفعل
في تحقيق الانسجام النسبي بين الأفراد، بقدر ما نجحت البرامج التي ارتبطت بها في تأآيد فرضية التماهي بين الجماعة
والدولة الذي قام عليه جوهر الوطنية والمجتمع الوطني. ومن هذه البرامج وأعظمها البرنامج السياسي الديمقراطي الذي
جعل من الشعب أصل السيادة والسلطة، وحول الدولة إلى مرآز تمثيل الشعب والاستجابة لإرادته. وهو ما سيعبر عنه
مشروع الديمقراطية. وثاني هذه البرامج البرنامج الاقتصادي القائم على بناء السوق الوطنية الخاصة بما تعنيه من تأهيل
القوى البشرية وتوفير فرص العمل واستغلال الموارد الطبيعية لصالح المجتمع الوطني الجديد. ومنها البرنامج الاجتماعي
الذي ساهم في تذليل التناقضات وحل التوترات بين الطبقات والفئات، سواء ما تعلق منها بمسائل العدالة في توزيع الدخل أوبمسائل الخدمات الاجتماعية والتأمين على البطالة والمرض إلخ. ومنها أخيرا البرنامج الثقافي الذي رآز على بناء هوية
المجتمع المتميزة، عبر العناية باللغة والثقافة والآداب والرياضة وغيرها من النشاطات التي تساعد على بلورة شخصية
الشعب المتميزة وتعمق الشعور العام بالانتماء الواحد والانخراط في مصير مشترك. ومجموع هذه البرامج يكون أساس ما
يسمى بالعقد الوطني الضمني الذي أعطى للاجتماع المدني السياسي مشروعيته آما أعطى لمفهوم الاستقلال والسيادة
الوطنيين معناهما. فهو أساس وجود المجتمع الوطني ومبرر وجوده آوحدة ومتحد.
والحال أن العولمة بمعناها السائد، أو بالأحرى ضرورات الانخراط الفعال فيها، يفترض التخلي التدريجي عن هذا العقد،
سواء بسبب حاجات التكيف مع السياسات العالمية المفروضة في إطار مبدأ المنافسة الحرة والشفافية ومنع تدخل الدولة في
الشؤون العامة أو تقليص دورها إلى حد آبير فيها، أو بسبب افتقار الدولة للموارد التي تؤهلها للعب مثل هذا الدور. ومن
هنا، وفي موازاة تقلص دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتعليمي تدخل المجتمعات تحت التأثير المباشر
لمنطق العولمة الخارجي ولقدرة الفئات الاجتماعية المختلفة على التعامل معه. ومن الطبيعي أن تكون الفئات الأقوى
والأآثر تمتعا بالمزايا هي نفسها التي تستفيد من هذه العولمة، بينما يدين الانفتاح الواسع جميع الفئات الأخرى التي آانت
٣ تعيش على برامج الدولة الوطنية، وبفضل تدخلاتها الايجابية لضمان الحد الأدنى من المساواة والعدالة الاجتماعية
.
ومن هنا تثير العولمة بالضرورة ردود أفعال قوية من قبل القوى الاجتماعية التي تشعر بضررها الكامن على مصالحها
الخاصة. ليس ذلك في البلاد النامية والفقيرة فحسب ولكن في البلدان الصناعية الكبرى أيضا. ومن هذه القوى فئات واسعة
من العمال والطبقات الشعبية التي تشعر بأن المنافسة العالمية المفتوحة تهدد بنقل فرص العمل نحو البلدان التي تنخفض فيها
آلف الانتاج. ومنها أيضا فئات واسعة من الطبقات الوسطى التي تخاف من خسارة مستويات معيشتها الراهنة وأهم ما فيها
الضمانات الاجتماعية والمشارآة السياسية. فكما تؤدي المنافسة المفتوحة بنقل الاستثمارات إلى الدول صاحبة التكلفة
الأخفض للانتاج، وتهدد بالتالي بالقضاء على فرص العمل وتزايد احتمال تنامي البطالة في الدول الصناعية، تتعرض
الديمقراطية التي يقوم عليها البنيان الوطني التضامني إلى التراجع نتيجة الالتزامات الجديدة التي تأخذها الدولة على نفسها،
وإن آان ذلك باسم المجتمع، تجاه الدول والمنظمات العالمية الأخرى. ويعتقد الكثير من المعادين للعولمة في الولايات
المتحدة الأمريكية نفسها أن توقيع واشنطن على اتفاقيات التجارة الحرة يقلص من قدرة الدولة الأمريكية، والأمة التي تقف
وراءها، على المبادرة الاقتصادية. فسياساتها في هذا المجال تصبح محكومة بالاتفاقات الدولية لا بإرادة الشعب الأمريكي. 
وبالمثل تدفع المنافسة الاقتصادية المتزايدة التي تقود إليها السوق العالمية المفتوحة إلى زيادة الضغط على الطبقات المنتجة
وتهدد، آما بينت ذلك الكثير من الإحصائيات، بتراجع معدل نمو الأجور بالنسبة لنمو الأرباح، حتى في البلدان الصناعية
المتقدمة. فليس أمام الرأسماليين وأصحاب المشاريع التجارية والصناعية وسيلة أخرى لمواجهة المنافسة المتفاقمة إلا
بتخفيض تكاليف العمل بأشكالها المختلفة. وتعيش بلدان أوروبة الصناعية الكبرى، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، هوس
الخوف على انهيار نظام الضمانات الاجتماعية القوي الذي تبلور في العقود الماضية بما يتضمنه من تأمينات البطالة
والتقاعد والتأمينات الصحية. وهو ما يهدد البرنامج الاجتماعي التاريخي الذي سمح للدولة الوطنية بالاستقرار والاستمرار
٤ وتحقيق النمو المضطرد والازدهار في العقود الطويلة الماضية
.
ويقود الترآيز على السوق العالمية مقابل السوق الوطنية إلى نشوء اتجاهين يهددان بالقدر ذاته البرنامج الاقتصادي الذي
أعطى للدولة الوطنية قوتها ورصيدها السياسي في الحقبة الماضية. فمن جهة تؤدي المنافسة المحمومة إلى ارتحال
الصناعات إلى البلدان التي تقل فيها تكاليف العمل والانتاج. مما يحكم على الدول الصناعية بخسارة مستمرة لفرص عمل
عديدة لصالح البلدان الأخرى ويساهم في ارتفاع معدلات البطالة وتحويلها إلى بطالة دائمة. ومن جهة ثانية يقود انهيار
اقتصاد البلدان الفقيرة التي لا تنجح في مواجهة استحقاقات العولمة بصورة ايجابية إلى تفاقم ظاهرة عالمية جديدة هي هجرة
اليد العاملة إلى البلدان الصناعية واستيطانها هناك مع ما ينجم عن ذلك من تزايد مخاطر إعادة تكوين مجتمعات الضواحي
الهامشية المستعدة دائما للانفجار في البلدان الصناعية مع التماهي بين حدود التمييز الاجتماعي والفقر وحدود التمييز
الإتني، إلى جانب ما تشكله هذه الشرائح المهاجرة من ضغط إضافي على اليد العاملة المحلية. ولعل من اللافت أن الكثير
من التعليقات التي تعرضت للإضطرابات الاجتماعية التي حصلت في نوفمبر الماضي في الضواحي الفرنسية قد أشار إلى
. ٥ تفكك العقد الاجتماعي الفرنسي، لا بل لقد تجاوز الأمر ذلك إلى الحديث عن حرب أهلية فرنسية
أما على المستوى الثقافي فقد وسمت العولمة، ليس في العالم العربي وحده ولكن في جميع مناطق العالم، بالأمرآة وأصبح
ينظر إليها على أنها وسيلة لتعميم أنماط التفكير والاستهلاك الأمريكية. إنها "مكدلة" للعالم (من مكدولاند). فالولايات
المتحدة الأمريكية هي المنتج الرئيسي والموزع أيضا لمعظم وسائل الاتصالات الجديدة من شبكة الانترنت إلى وسائل
الإعلام الجماهيرية إلى الصناعة السينمائية والأفلام ومنتجات الثقافة الصناعية والصناعة الثقافية. وتكاد المنتجات الثقافية
الأمريكية تحل محل المنتجات المحلية وتقضي عليها في الكثير من البلدان ومعها على التراث الثقافي والخصوصيات
والمنتجات المحلية في الكثير من بلدان العالم. فاللغة والتعليم والجامعات والبرامج والعروض والعالم الافتراضي بأآمله
٦ يقود إلى الولايات المتحدة ويتحدث لغتها ويضمر رموزها
.
وفي ما وراء هذه التحديات التي تهدد مجموع البرامج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي شكل إنجازها
مصدر مشروعية الدولة الوطنية حتى الآن، تخلق العولمة على المستوى الاستراتيجي وضعية جديدة تقضي بتحويل العالم بأآمله إلى حقل جيوستراتيجي واحد، وبالتالي بتعويم جميع القوى الدولية الفاعلة فيه وإعادة تقييم وزنها الاستراتيجي من
منطق قدرتها على الاحتفاظ بموقع أو دور في القرار الإقليمي والعالمي. وهي الوضعية التي تفقد فيها الدول الصغيرة وزنها
وتحرمها من القدرة على ممارسة أي تأثير في الحياة الدولية. وآكل طفرة تقنية تولد الثورة المعلوماتية موارد جديدة يتوقف
على السيطرة عليها والتحكم بها مستقبل العلاقات الدولية. ولذلك فهي تطلق أيضا صراعات خاصة بها مرتبطة بإعادة
توزيع علاقات القوة داخل النظم الثلاث المتداخلة والمتفاعلة: النظام العالمي والنظم الإقليمية والنظم الوطنية. ويقدم مفهوم
الحرب الحضارية الذي زاد استخدامه في السنوات الماضية مثالا عن المفاهيم الجديدة التي نشأت في ميدان العلاقات الدولية
. ٧ للتعبير عن نوع من التوترات والمنازعات والمواجهات العديدة التي تنطوي عليها الطفرة التقنية
يمكن القول، من منظور مجرد تماما، أن العولمة تدفع إلى رفع وصاية الدول عن المجتمعات، بما تتضمنه هذه الوصايا من
سلبيات (تقييد حرآة الفئات الاجتماعية) ومن ايجابيات (إلزامها بعقد وقواعد تضمن وحدة المجتمع) وتترك المجتمعات
تتنافس في ما بينها حسب مواردها وقدراتها ومهاراتها وذآائها أيضا. فالأآثر آفاءة من الشرآات والمؤسسات والمجتمعات
هي التي تربح من المنافسة الحرة والممتدة على اتساع الدائرة العالمية. وفي هذا الإطار من المؤآد أن الرابح الرئيسي هو
الشرآات والمؤسسات والهيئات التي تتمتع بقدرات وموارد أآبر، أي المراآز الصناعية ومن وراء ذلك المجتمعات التي
تعيش فيها وتعمل في مؤسساتها.
لكن مثل هذا النموذج المجرد للعولمة لا يوجد أبدا. فليس هناك مجتمع يعيش خارج سيطرة نخبة أو طبقة اجتماعية. ولعبة
العولمة الرئيسية، أي جوهر الصراع القائم فيها، هو سعي آل نخبة اجتماعية مسيطرة إلى الاستفادة أآثر ما يمكن من فوائد
الانفتاح والشفافية والتقليص إلى أدنى حد من مساويء تعريض المجتمع ومؤسساته للمنافسة العالمية. ومن هنا يرتبط
مصير آل مجتمع بالاستراتيجيات التي تصوغها نخبه الاجتماعية في مواجهة العولمة ونجاحها في تثمير عناصر القوة التي
تملكها في إطار سيطرة منطق المنافسة الدولية المفتوحة، وتغلبها على عناصر الضعف التي يعاني منها مجتمعها
ومؤسساته. أما المجتمعات التي لا تملك مثل هذه الاستراتيجية أو التي تفتقر لنخبة اجتماعية مسؤولة، أو على قدر آبير من
الالتزام الوطني والشعور بالمسؤولية، فليس هناك شك أن العولمة تحكم عليها بأن تتحول إلى طعام للآخرين وميدان لتحقيق
مكاسب مجانية لهم. وهذا ما يفسر التقدم الكبير الذي حققته بلد مثل الصين عندما نجحت في الحفاظ على وحدة سوقها
الوطنية الواسعة، في تحويل نفسها إلى قطب جاذب لرأس المال العالمي، بالرغم من الفقر الشديد الذي يعاني منه مجتمعها
واقتصادها. وهي اليوم المستفيدة الأولى من نظام العولمة الاقتصادي. وهو أيضا ما يفسر ما ولد في العقود القليلة الماضية
من تكتلات وروابط اقتصادية جمعت العديد من الدول الصغيرة والكبيرة التي آانت بعضها في عداء شديد في الماضي، في
سياق تأهيل نفسها لدخول عصر العولمة وما يتميز به من انتفاح حقل المنافسة العالمية ليس على الصعيد الاقتصادي
والتقني والعلمي فحسب ولكن على الصعيد الثقافي أيضا. 
فلا تعني العولمة تعويم النظام الاقتصادي الوطني وحده ولكن تعويم آل النظم المجتمعية، العلمية والثقافية والاجتماعية 
والسياسية من دون تمييز. ففي سياقها سيشعر الفرد المتمكن من الموارد بأنه أمام اختيار لا حدود له في جميع الميادين وأن
ما آان مفروض عليه آحقائق نهائية ووحيدة، لأنها حقائق وطنية أو ذات مشارب محلية، ليست إلا نظما عادية يستطيع
التخلي عنها أو عن بعض أجزائها وقيمها ليبني هو نفسه، نظامه الخاص بقدر ما توفره له العولمة أو المنافسة العالمية من
موارد وقدرات وتطلعات وآمال. لكن الفرد المحروم من الموارد سيشعر، بالعكس تماما من ذلك، بضياع تام وسيفقد أي
علام في توجهه العام وفي سلوآه الشخصي معا. وهو ما يهدد بتعميم نوع من الفراغ النفسي والأخلاقي والثقافي معا.
ومهما آان الحال، تنحو العولمة الراهنة إلى تحويل جميع نظم العلاقات القديمة، الدولية والوطنية، السياسية والاقتصادية
والثقافية والأخلاقية، إلى نظم ضعيفة عاجزة عن استيعاب دينامية التحولات الجارية، وتقضي عليها بالتقادم والبلاء. لكنها
وهي تفكك هذه النظم تترك المجتمعات أيضا في حالة من الفوضى، أي السيولة والاضطراب والقلق والشك، هي ما يميز
الحقبة الراهنة، خاصة في تلك المناطق من العالم التي لا تملك أي وسيلة للتأثير على مصيرها أو التي لا تعي ما ذا يجري
لها. ولأنها تقوم بالأساس على الفرضية القائلة بأن السوق هو الكفيل وحده، إذا لم تتدخل القوى السياسية فيه، بالكشف عن
الانسجام في العلاقات الاجتماعية والدولية، وترفض إخضاعه لأي معايير أخرى سوى ما يتعلق بتنظيمه وضمان اتساق
العمليات التجارية، تهدد العولمة الليبرالية المجتمعات، والضعيفة والصغيرة منها بشكل خاص، بأن تنتظر زمنا طويلا جدا
قبل أن تستعيد بعض توازنها، بعد أن ينجح الرأي العام العالمي في تنظيم نفسه والدفع في اتجاه إخضاع العملية الاقتصادية
والسوق لمعايير إنسانية تسمح بإعاده بناء النظام العالمي على أسس تتجاوز منطق السوق وتضمن الاتساق والانسجام بين
جميع الأطراف. وفي انتظار ذلك ليس هناك شك في أن المحدد الأول في استثمار فرص العولمة يبقى وربما لفترة طويلة
السوق الرأسمالية نفسها، بما تعنيه من موارد بشرية ورأسمال ومشاريع اقتصادية وسوق استهلاآية. ولهذا السبب بالذات
آان اتجاه الرد على العولمة الليبرالية في الدول الصناعية إعادة هيكلة السوق الاقتصادية أولا، من خلال بناء الروابط
والاتحادات الإقليمية، آما هو الحال في أوروبة وفي جنوب شرق آسيا وفي أمريكا اللاتينية. أما في البلدان ذات الحجم
القاري مثل الصين فقد آان الحفاظ على الوحدة الإقليمية لدولة بحجم القارة الأولوية إزاء أي هدف آخر آما عبر عن ذلك
٨ خيار الانفتاح الاقتصادي الواسع مع الحفاظ على السلطة الأحادية

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

المحترف

2016